علي بن أحمد المهائمي

708

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

أن يكون ( ثمة ) أي : في الإنسان ( مزاج يدرك ) الوصف ( الطيب من ) الشيء ( الخبيث ) باعتبار بلوغ ذلك المزاج غاية الوحدة ، لكن ذلك إنما كان له من التعفن في طبائع العناصر التي حصل هذا المزاج من تركبها ، فيكون إدراكه للطيب والخبيث ( مع علمه بأنه خبيث ) ، كيف وقد أدرك خبثه ( بالذوق ) ، وما علم من أنه ( طيب ) فهو إنما علم ( بغير الذوق ) ، وهو النظر إلى الأصل والمعلوم بالذوق يغلب المعلوم بغير الذوق في أكثر الأحوال ، لكن قد يغلب في بعض الأشخاص النظر إلى الأصل ؛ ( فيشغله إدراك ) الوصف ( الطيب منه ) أي : من الخبيث ( عن الإحساس بالخبيث ، هذا قد يكون ) على سبيل الندرة ، ويقرب منه ما روي : « أن عيسى عليه السّلام مرّ مع أصحابه بجيفة ، فقالوا : ما أنتن ريحها ! فقال : ما أحسن بياض أسنانها » « 1 » ، ولكن يكون الخبيث محبوبا له لوجوده في العالم . كما أشار إليه بقوله : ( وأما رفع الخبيث من العالم ) ، ولما توهم أن المراد غير الإنسان أزاله بقوله ، ( أي : من الكون ، فإنه لا يصح ) ، بل يجب إيجاده لطيبه بالنظر إلى نفسه ، وبالنظر إلى بعض الموجودات ؛ ولذلك يقول ( رحمة اللّه ) : الإيجادية ( في الخبيث والطيب ) لا كما تقول النبوية من أنه لا ينسب إليه الشر ، كيف ( والخبيث ) إنما يكون ممتنع الإيجاد ولو كان خبيثا في نفسه ، ولكن الخبيث ( عند نفسه طيب ) ، إذ لا يتضرر شيء بنفسه ، ولا يتأذى منه ولا يكرهه أصلا ، ولو امتنع إيجاده لخبثه عند الغير ، لامتنع إيجاد الطيب إذ ( الطيب عنده خبيث ) ، ولو اعتبر انتفاع الغير وتضرره في إيجاد الشيء وإعدامه ، لوجب إيجاد كل شيء وإعدامه معا ، ( فما ثمة ) أي : في العالم ( شيء طيب إلا وهو من وجه في حق مزاج ما خبيث ) ، كالورد في الجعل ، والحق للكافر ، ( وكذلك بالعكس ) ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم . [ وأمّا الثالث الّذي به كملت الفرديّة فالصّلاة ، فقال : « وجعلت قرّة عيني في الصّلاة » « 2 » ؛ لأنّها مشاهدة ، وذلك لأنّها مناجاة بين اللّه وبين عبده كما قال : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ، وهي عبادة مقسومة بين اللّه وبين عبده بنصفين : فنصفها للّه ونصفها للعبد كما ورد في الخبر الصّحيح عن اللّه تعالى أنّه قال : « قسمت الصّلاة بيني وبين عبدي نصفين : فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل ، يقول العبد : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يقول اللّه : ذكرني عبدي ، يقول العبد : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول

--> ( 1 ) رواه أبو نعيم في « حلية الأولياء » ( 2 / 382 ) . ( 2 ) سبق تخريجه .